إشكالية الحضارة في فكر مالك بن نبي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

إن الحديث عن «إشكالية الحضارة» في فكر مالك بن نبي يضعنا أمام إشكالية منهجية ينبغي تجاوزها، كي نتمكن بعد ذلك من فك الإشكالية الأولى. فبأي الموازين، أو القوالب يمكن وزن فكر مالك بن نبي؟ هل هو مصلح اجتماعي يتصدر قائمة المصلحين الذين وعوا أسباب الفساد في مجتمعهم، فأخضعوا هذا الواقع للتشخيص بمنهج المصلحين؟ أم أنه عالم اجتماع سيكولوجي يأتي في طليعة علماء الاجتماع من ابن خلدون إلى دوركايم، وكوندروسيه، وأوغست كونت، الذين هالهم أمر السقوط، والبناء في ظواهر المجتمع الإنساني، فقدم كل واحد منهم من زاوية معاناته الخاصة، تشخيصا لداء مجتمعه، ومحاولة لعلاج أداوئه؟

هل نقول بأن مالك بن نبي «فيلسوف تاريخ» تخصص في تقويم أبعاد حضارة مجتمعه شأنه في ذلك شأن فلاسفة التاريخ من أمثاله، كهيغل، وتوينبي، وشبنغلر الذين أخضعوا الأوضاع المأزومة في حضارات مجتمعهم، فقدموا لنا وسائل للنهوض من الكبوة ومنهجا عقلانيا نقديا، لإزالة الضبابية التي تعكس الصورة الذهنية المشوشة للواقع المجتمعي.

وهل يمكن القول أخيرا بأن مالك بن نبي هو ألصق من حيث المنهج، والتطلعات الفكرية بعلم المستقبلات، هذا العلم «الموضة» الذي يعني التخطيط لبناء عالم الغد والإعداد له، والذي ساد العقل الغربي حديثا، فألقى بخيوط من أشعته على عيون وعقول البعض منا فأغشى بصائرهم، وعتم عقولهم؟ نعتقد أن هذه هي الإشكالية المنهجية التي ينبغي تجاوزها ممن يريد أن يتصدى لفكر مالك بن نبي.
وللقيام بذلك نتكئ على فكر فيلسوفنا كي نكتشف أن الخطوة الأولى في هذا السبيل، تبدأ بتشخيص نظرية هامة، يتمحور كل فكر حولها، وهي ما يسمى بمعادلة العلاقات الاجتماعية.

إن مفتاح الدخول إلى فكر مالك بن نبي يكمن في فك المعادلة، وهي معادلة قائمة - في نظرنا- على تعادلية.
فالمعادلة التعادلية هذه تتجلى في ثنائية تصاحبنا في كل صفحة من صفحات كتبه، وتجسدها كل مقولة من مقولاته.
إنها ثنائية تترجمان هذه التقابلية التي تضع الهندسة في مقابل الفقه، وتضع ابن خلدون في مواجهة توينبي، والحضارة في مواجهة الهمجية، والكم المهمل في مقابل الكيف الديني، والمنهج الأفقي، أمام المنهج العمودي مما يجعل مالك بن نبي مهندسا للحضارة، وفقيها لها أيضا، مستلهما في ذلك من ابن خلدون في عصبية المجسدة للتعاقب الحضاري، وتوينبي في فكرة التحدي والاستجابة الكامنة خلف البناء الحضاري، مؤكدا في كل ذلك على خطوة هامة، هي الموازاة بين الأفقي في شبكة العلاقات الاجتماعية المتينة التي تربط الإنسان بمجتمعه، وبين المنهج العمودي، في هذه الشبكة التي تربط الإنسان بخالقه.

هذه هي الحلقة التمهيدية الأولى، في محاولة فك إشكالية الحضارة عند مالك بن نبي.. أما الحلقة التمهيدية الثانية فتتمثل في هذا النحت العقلي.. اللغوي، الذي يمثله المصطلح التجديدي في فلسفته .ولعل أولى مظاهر هذا النحت العقلي يتمثل في عملية الحفر التي يقوم بها في ذاكرة الزمن التاريخي بحثا عن الفاعلية، وعن القابلية.
وضمن الفاعلية والقابلية يواجهان مصطلحان هامان هي الفكروية أو الفكرولوجية الجماعية، والفردانية أو الذاتية الأنانية، وكلا المصطلحين يسلمنا حضاريا - كما سنبين ذلك إن شاء الله - إلى معطيات إيديولوجية هامة.

ومن التحديد الاصطلاحي الذي يميز لغة مالك بن نبي مصطلحا البناء والتكديس في عالم الاقتصاد.
ومصطلحا الأفكار والأفكار الميتة في عالم الإيديولوجية والجرثومية الذاتية في عالم الثقافة، وإنسانية الإنسان وتشييئه أو «الكم المهمل» في عالم الحضارة. وما يؤدي إليه ذلك كله من كون الإنسان حيوان ديني، وأهمية البذرة الدينية في واقع المجتمع الإنساني في شموليته، بوصفها المركب في معادلة شبكة العلاقات الاجتماعية.

إن هذه الحفريات داخل الثقافة الإسلامية بأبعادها الحضارية، وما نتج عنها من نحت للمصطلح التجديدي، تمثل كلها أدوات منهجية في المجال المعرفي الذي يمكن من استنباط الذهنية الحضارية في فكر مالك بن نبي، وبالتالي فك إشكاليتها المعقدة.
ومن هنا جاز لنا القول بأنه لا ينبغي وضع مالك بن نبي في مجال السوسيولوجيا الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية والثقافية فحسب، ولكن في مجال فلسفة الحضارة والتاريخ في شموليتها، لنخضع بذلك إنتاجه للفلسفة العقلانية النقدية.

1- مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي
ماذا تعني الحضارة إذن عند مالك بن نبي في ضوء المعطيات المعرفية التمهيدية السابقة؟ إن أحسن تعريف للحضارة يقدمه مالك بن نبي هو تشبيه لها "بالشمس" التي تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب ثم متحولة إلى أفق شعب آخر(1).

ولتبيان مالك بن نبي للحضارة، نفضل أن نقدم له تعريفا وفق منهج الإثبات بالخلف كما يقول المنطق.
فالحضارة عنده لا توضع في مقابل البداوة كما يذهب معظم المفكرين ففي ذلك طمس لمعالم البداوة التي تمثل إحدى روافد حضارة مجتمعنا العربي الإسلامي، والتي نتغنى بمحاسنها في أدبنا كقولنا «وفي البداوة حسن غير مجلوب» وهي ليست مرادفة لكلمة مدنية، كما يذهب إلى ذلك مؤلف كتاب الحضارة ويل ديورانت، فالحضارة عند مالك بن نبي سياج حصانة للإنسان تحميه من الهمجية، كما أن الحضارة عنده توضع في مقابل البدائية لا البداوة .
وتقوم الحضارة عنده على هذه الثنائية التي وصفناها بالتعادلية في مقدمة الحديث، فتصبح الحضارة حسب تعريفه «مجموع الشروط الأخلاقية والمادية تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل عضو من أعضائه، في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة، إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نمو»(2).

إن هذه التعادلية التي يؤكد عليها مالك بن نبي هي أساس الحضارة عنده في شموليتها وفي توفيقها بين الفكر والاقتصاد ليكون نتاجا لحركة المجتمع، فبدونها لن يكون المجتمع مجتمعا لأن من شروط المجتمع البشري عنده أن يكون له حضارة. إذ أن الجماعات الساكنة، لها حياة دون غاية فهي تعيش إذن في عهد ما قبل الحضارة.
ويخلص مالك بن نبي من هذه الإشكالية إلى تحديد العلاقة في تفاعل الطبيعة والتاريخ داخل الحضارة الإنسانية فيقول: «بأن الطبيعة توجد النوع، ولكن التاريخ يصنع المجتمع، وهدف الطبيعة هو المحافظة على البقاء، بينما غاية التاريخ أن يسير بركب التقدم نحو شكل من أشكال الحياة الراقية، وهو ما يطلق عليه اسم الحضارة»(3).
على أن تحقيقه هذه الحضارة مرهون بحسن تكييف الإنسان للطاقات، أي إيجاد أهداف محددة واضحة. أي إيجاد الانسجام بين النمط الفكري الذي يحكم هذه الحضارة عبر التاريخ وبين الطاقات المتوفرة أو التي يمكن توفيرها لتنفيذ الجانب العملي بما يخدم إنجاز المقاصد المحدد في الفكروية وهو الهدف الأسمى للحضارة الإنسانية.

ويعمد ابن نبي في تعريفه للحضارة بالاعتماد على منهجين:
أحدهما: تحليلي تركيبي.
ثانيهما: وظيفي.
فبالمنهج التحليلي التركيبي، يسوق مثال المصباح الذي نستنير به، ويتساءل متى يصح تسمية هذا المصباح بالإنتاج الحضاري؟
والحقيقة، كما يضيف، لا يمكن وصفه بذلك إلا إذا كان هذا المصباح، والأفكار التي صاحبت إنجازه، والآدميون الذين قاموا بعملية الانجاز، يمثلون جميعا منتجات اجتماعية لحضارة معينة.

أما التعريف للحضارة فهي كونها: مجموع الشروط الأخلاقية والمادية.. التي أشرنا إليها سابقا «فالمدرسة، والعمل والمستشفى، ونظام شبكة المواصلات، والأمن في جميع صوره عبر كامل أنحاء الوطن، واحترام شخصية المواطن، تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يستطيع أن يقدمها للفرد الذي ينتمي إليه»(4).

ويوظف مالك بن نبي التعريفين التحليلي والتركيبي من جهة، والوظيفي من جهة أخرى، ليصل إلى تصنيف فيقسمها إلى ثلاثة: مجتمع ما قبل الحضارة، وهو المجتمع البدائي أو الهمجي، ومجتمع الحضارة، وهو ما ينشده مالك بن نبي، ومجتمع ما بعد الحضارة وهو مجتمع السقوط والانحطاط، ومن هنا نستنتج أن مشكلة الحضارة عند رجل العالم الثالث الواقع في محور طنجة - جاكرتا يقوم على حل مشكلتين أساسيتين هما:
• المشكلة العضوية الخاصة بتشييد بناء قائم على الحقائق النفسية الاجتماعية في هذه البلاد.
• مشكلة التوجيه القائم على حقائق الوضع العالمي(5).
ففي الحضارة جانبان كما يقول مالك بن نبي، الجانب الذي يتضمن شروطها المعنوية في صورة إرادة تحرك المجتمع نحو تحديد مهامها الاجتماعية، شروطها المادية في صورة إمكان. أي أنه يضع تحت تصرف المجتمع الوسائل الضرورية للقيام، أي بالوظيفة الحضارية(6).
وهكذا يؤكد على ما سميناه نحن بالتعادلية، وسماه بالتوازن بين وجهي الحياة المادي والمعنوي في إقامة النسيج المطلوب لصنع حضارة ما.

2- عناصر الحضارة في فكر مالك بن نبي
إن المحلل للمنهج الذي اعتمده مالك بن نبي في تركيب الحضارة عموما، وفي المجتمع الإسلامي خصوصا، يلمس مدى استفادة مالك بن نبي من تكوينه الهندسي في تعامله مع الأسلاك ومع المادة، وفي تكوينه الإسلامي، في صقل عقله وقلبه، بما سماه بالظاهرة القرآنية، وما نتج عن ذلك لينعكس كله، في شكل منهج تحليلي تركيبي، وظيفي كما أسلفنا، وهو ما عرف عنه بالإبداع المنهجي، ممثلا في أول نظرية فلسفية، تاريخية دينية جسدها معادلته العجيبة التي تعيد إشكالية الحضارة إلى وجوب البدء لحل ثلاث مشكلات أساسية هي: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت.
فلكي نقيم حضارة ما «يجب أن نصنع رجالا في التاريخ مستخدمين التراب والوقت في بناء أهدافهم»(7).
إن الإنسان في هذه المعادلة هو مفتاح الإشكالية، وهو أساس البناء فيها ويحتكم مالك بن نبي إلى ما يسميه بمختبر التاريخ ليدلنا على المركبCataliseur. الذي يتدخل في تركيب العناصر الثلاثة: "الإنسان، التراب، الوقت كي يكون بها حضارة".
ويؤكد المؤلف هنا بالخصوص على عامل الدين كمركب عام لجميع أنواع الحضارات الإنسانية، كما هو الحال بالنسبة للمسحية في الحضارة الغربية (توينبي) والحضارة الإسلامية في حياة محمد صلى الله وعليه وسلم وتأملاته الإلهامية في غار حراء، أو الحضارة البوذية وأثرها فكرة (كوتاما) كدين في تركيبها(8).

ويخلص المؤلف إلى نتيجة رائعة من منهجيته هذا يجسدها قوله: «يتبين - حسب الاعتبارات الاجتماعية التي انتهى إليها التحليل - أن المعادلة الهامة التي انتهينا إليها تدل على أن مشكلة الحضارة لا تحل باستيراد منتجات حضارية موجودة، ولكنها تتطلب حل ثلاث مشكلات جزئية». على النحو التالي:

1- مشكلة الإنسان وتحديد الشروط لانسجامه مع سير التاريخ.
2- مشكلة التراب، وشروط استغلاله في العملية الاجتماعية.
3- مشكلة الوقت وبث معناه في روح المجتمع ونفسية الفرد(9).
وإذن فالحضارة = إنسان + تراب +وقت.
يبقى عنصر هام ينبهنا إليه مالك بن نبي في هذه المعادلة، وهو عنصر ثنائي أي تعادلي أيضا ويتمثل في توجيه المبدأ الأخلاقي وتوجيه الذوق الجمالي.

والمبدأ الأخلاقي يمثل هبة من السماء، تأتيها الحضارة مع نزول الأديان، وتكون بذلك مهمة الحضارة في المجتمع هي بث أواصر الألفة بين أبناء المجتمع كما تشير إلى ذلك الآية القرآنية (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف  بينهم إنه عزيز حكيم) [الأنفال:63].
ويدل مالك بن نبي على ذلك أن كلمة دين Religion في اللغات المختلفة بمعنى ربط الناس بعضهم ببعض.
ويمكن القول بأن المجال الأخلاقي مجال تشترك فيه الفلسفة والدين معا. وهو ما ينبه إليه فيلسوفنا.
فاللاعنف عند غاندي الذي ذهب ضحية العنف ومفاهيم الإسلام الأخلاقية: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(10). هي التي ألهمت مالك بن نبي فكرته الأخلاقية لعنصر مركب لعناصر الحضارة، إلى جانب ما أنتجه الفلاسفة من عناوين أخلاقية مثل أسس ميتافيزيقا الأخلاق، وينبوعا الأخلاق، والواجب الأخلاقي، وكلها كتب لفلاسفة غير مسلمين، يؤكدون فيها على العنصر الأخلاقي في بناء الحضارة الإنسانية.

أما الشق من العنصر الباقي للحضارة، فهو الذوق الجمالي الذي يجعل منه مالك ابن نبي الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة.
لذلك ينبغي كما يقول مالك بن نبي أن نلاحظه في نفوسنا وفي بيوتنا، وفي شوارعنا ومقاهينا.
إن الجمال - كما يقول - هو وجه الوطن في العالم، ومن ثم «فكل مساس به، هو تشويه لوجه الوطن» فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا ونفرض احترامنا، غير أن مالك بن نبي يحذرنا من السقوط في الجانب الجمالي، كما فعل الغربيون، والحل عنده يكمن دائما في التعادلية بين العنصر الجمالي، والعنصر الأخلاقي، ويستدل في قوله ذلك على الحال عند رابعة العدوية حيث نجد الجمال والأخلاق معا:

أحبك حبين حــــب الهــــوى   حبــــا لأنـــك أهــــل لذاكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

وأوفى قول الشاعر:
السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

ولا يغفل مالك بن نبي في معادلته الحضارية التركيبية الجانب العقلي، والذي يصفه بالمنطق العملي في الثقافة، ويدل على الحاجة إلى هذا المنطق العملي في البناء الثقافي العربي الإسلامي، بكون مجتمعنا يعاني ما يسميه مالك بن نبي بالانفصام الشخصي، ويؤصل حدوث هذا الذهول المجتمعي، بالحديث النبوي الصحيح الذي رواه مسلم، والذي يتنبأ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بظاهرة الانفصام، في مستقبل الأمة الإسلامية، حيث يقول الرسول لأصحابه: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت»(11).

إن مالك ينبهنا إلى أن الحديث النبوي هنا، لا يعني إخبار الرسول بما سيقع، ولكنه يقدم العلاج بالتربية، لمرض اجتماعي، ونفسي خطير هو الوهن والوهن منزلة بين منزلتي الموت والحياة، لذلك كانت الحاجة ماسة إلى المنطق العملي، لأنه يشحذ الإرادة، ويحدث الانتباه ومثل هذا الاستنتاج يقودنا إلى أن الثقافة التي هي دعامة الحضارة لا بد أن تراعي فيها هذه العناصر نلخصها فيما يلي:

1  العنصر الخلقي، الذوق، الصلات الاجتماعية.
2  الجانب الجمالي لتكوين الذوق الجمالي.
3  المنطق العملي لتكوين أشكال النشاط العام.
4  الفن التطبيقي لكل نوع من أنواع المجتمع أو الصناعة على حد تعبير ابن خلدون.

3  البناء الحضاري عند مالك بن نبي
يشكل البناء الحضاري عند مالك بن نبي، إعادة تركيب للمجتمع وإعادة بناء للإنسان، وذلك وفق التحديد الدقيق لمدلول الحضارة كما بيناه، ولعناصر الحضارة كما حللناها، ولتطلعات الإنسان والمجتمع الواعيين بجوانب التخلف لديهما .
يبدأ البناء الحضاري الصحيح، بتصحيح المفاهيم الخاطئة، والسائدة في علم الاجتماع أو بالأصح علماء الأتنولوجيا، بتحديد معنى المجتمع بالذات. فليس المجتمع، كما يعرفه بعض الأتنولوجيين: تجميع عدد من الناس يعيشون كما يشاؤون مهما كانت الصلات بينهم.

ليس هذا هو المجتمع، فهذا يمكن أن نسميه بقايا مجتمعات أو بداية مجتمعات قبل أن تقوم بوظيفتها التاريخية .."إن المجتمع الذي يقوم بوظيفته التاريخية هو الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد، ويحقق راحته ..هو بنيان وليس تكديسا ..هو بنيان فيه أشياء مقدسة متفق عليها»(12).
"فكما أن النحلة لو انفصلت عن خليتها ماتت، فإن المصلحة التي تجمع، وتنسق سلوك كل نحلة من خلية لو انعدمت، لسبب لا أعمله، فإن الخلية ستتمزق أي يضيع المجتمع، ويضيع أفراده"(13).
من هنا لا يجوز في قاموس مالك بن نبي الوقوع في أخطاء الاتنولوجيين الغربيين عندنا يسمون المجتمعات البدائية مجتمعات أو الثقافة البدائية.. أو حتى تسمية الحضارة البدائية.. فهذه كلها خرافات اجتماعية.
لا بد للمجتمع الحقيقي من هدف، من أجله يتكون المجتمع بالمعنى والاصطلاح الدقيقتين.. وبالنسبة للإنسان المسلم، سبق القرآن إلى تأكيد هذه الحقيقة بقوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك و لا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) [القصص:77].

إن طابع أنسنة الإنسان، أو اجتماعية المجتمع تصنعه في المجتمع المسلم البذرة الدينية أو على لغة مالك بن نبي القرآنية. فهي بمثابة قطرة الوقود في محرك الميكانيكي، إذا وهنت توقف المجتمع الإسلامي، لذلك بات لزام في منظور مالك بن نبي أن عملية البناء تمثل عملية ملء تسبقها عملية إخلاء كما ينشده المجتمع الإسلامي - غير نفسك تغير التاريخ(14)، مصداقا لقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وتبدأ عملية التغيير الفعلية بتخليص الإنسان من عقد النقص، والانبهار بمظاهر ما عند الغربيين، وكذلك بتخلصه من بقايا التواكل والخرافة، وبإعادة اللحمة بينه، وبين قناعاته، وعقيدته وسلوكه وعمله»(15).
فليس المهم في بناء الإنسان الجديد أن يبدل نمط أو زي لباسه ونوعية أثاث منزله ومكتبه.. «ولكن المهم أن نحدد له إطاره الحضاري في مجال الثقافة، والأخلاق، والاقتصاد وكافة المجالات وبكلمة واحدة أن نقلع ونصفي القابلية للاستعمار من عالمه الداخلي حتى تنطلق طاقته لتصفيته من عالمه الخارجي»(16).

إشكالية الحضارة في فكر مالك بن نبي

إن التغيير الحقيقي يبدأ من النفس، وبها تتعدل شخصية الإنسان ويتم توازنها فتحصن وجودها من استهداف المستعمر لها والذي ينوي إفقادها الفاعلية وروح التقدم، والطموح تمهيدا لتحويلها إلى «كم» مهمل.
على أن عملية التغيير هذه، إن هي إلا تمهيد لعملية النهضة.. والنهضة تمثل القيام بخطوات إصلاحية من أجل تحقيق عملية الإقلاع الحضاري والقاعدة الصلبة التي يضعها مالك بن نبي لعملية النهضة أو الإقلاع إنما هي الإسلام.
فهذا الإسلام يشكل الإطار الحضاري للعالم العربي والإسلامي وتنحو هذه النهضة في اتجاهين:
1- اتجاه يقوم على الوعي بالماضي وفهم منتجاته، في محاولة للالتزام بالايجابي منه، ووعي خطورة السلبي فيه للانفصال عنه بهدف إلغاء أثره في الواقع الثقافي والفكري عامة.
2- تجاه مستقبلي يلزم بأحكام القرآن والسنة وسلوك السلف الصالح، مجدد لآليات التطور الاجتماعي في كل المجالات، من أجل بناء حضارة الإنسان التي ستنقذ الإنسانية(17).

إن المنهاج النهضوي المنشود، هو حركة تقوم على التفاعل، والتواصل إلغاء للسلبية من حقبة التراث، وإفساح المجال أمام الفاعلية الايجابية للتأثير في الحاضر والتفاعل مع وقائعه الساعية إلى أهداف مستقبليه.
إن النهضة منهج تجديدي للأوضاع يتم تصوره من ناحيتين:
الأولى: تلك التي تتصل بالماضي، أي بخلاصة التدهور، تشعبها في الأنفس وفي الأشياء.
الثانية: تلك التي تتصل بالماضي بخمائر المصير وجذور المستقبل(18).
وإن النهضة تتم بعد عملية التصفية للعادات، والتقاليد والخلق الاجتماعي مما يحتوي من عوامل قتالة أو الجراثيم الذاتية -كما يصفها- ليخلو الجو أمام العوامل الحية والداعية إلى الحياة.
ولن يتأتى ذلك إلا بفكرة جديدة في مجتمع يبحث عن وضع جديد، وهو وضع النهضة.
ويخلص إلى أن ذلك يتم بتحقيق الأوضاع بطريقتين:
الأولى: سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي.
الثانية: إيجابية تصلنا بالحياة الكريمة(19).
ويدعم بن نبي فكرته هذه بحقيقتين، الأولى غربية وقد جسدها ديكارت بالتجديد الإيجابي فمهد لوضع المنهج التجديدي العقلاني النقدي.
أما الحقيقة الثانية فنأخذها من الواقع الإسلامي حيث جاء القرآن مجددا، نافيا لأفكار الجاهلية البالية، فرسم بذلك طريق الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل بطريقة إيجابية وهو نفس ما ننشده اليوم في النهضة الإسلامية.

التجسيد الحضاري لمنهج مالك بن نبي في واقعنا اليومي:
يمكننا في خاتمة التشخيص لإشكالية الحضارة كما حددها مالك بن نبي، أن نتساءل إلى أي حد يمكن وصف فلسفة الحضارة بالواقعية؟ وإذا شئنا الدقة أمكننا القول تحديدا -هل يمكن لمثل هذه الأفكار أن تتجسد في عالم اليوم العربي الإسلامي؟
لقد صيغت مقولات الحضارة، وعواملها، ومراحلها، من الأمة الإسلامية لتنطلق في النهاية إليها، في محاولة النهوض والإقلاع لتجاوز التمزق، والتخلف والاستبداد.
إن هندسة النهضة الحضارية، قد وضعها مالك بن نبي ليدل بها على مدى صدق نظريته.
لمسنا في تشخيصه لواقع الإنسان المسلم الذي يعاني الاهتزاز بين محاولات المد الديني الإسلامي، وصدمات الغزو الأجنبي الثقافي.
وتجلى لنا ذلك أيضا في تحليله لعامل الزمن بوصفه نهرا ينساب ويجري داخل التاريخ ليتوزع على جداول تستغلها بعض الحضارات، حيث يتحول عندنا إلى صناعة وتكنولوجيا، بينما يتجاهلها البعض كالعالم الثالث فيعاني ذلك تبعات الصناعة ونفاياتها .
وأبلغ دليل على ذلك يأخذه فيلسوفنا مالك بن نبي من واقعنا الجزائري، فيقول بأن حكومتنا في السبعينيات، كلفت الشرطة بالبحث في المقاهي عن المتغيبين عن العمل للدلالة على ضياع الوقت عندنا .
ولو شئنا لأوردنا الكثير من الأمثلة في العمل، والجامعة، والنقل، والبيت) ونفس التشخيص لمسناه أيضا في تحليله لعامل التراب في واقعنا اليومي).
فليس التراب عند مالك هو الفلح والزرع فحسب، بل هو كل مجال يسبح فيه الإنسان في حياته اليومية، سواء في المجال الصناعي، أو التجاري، أو العلمي أو الأخلاقي الديني.
ويعمد مالك بن نبي ذلك إلى محور طنجة-جاكرتا كعادته فيقدم أمثلة من خصوبة سهول العراق وأندونيسيا والسودان، والمتيجة.. التي تعاني إهمالا كبيرا، كذلك المواصلات كالموانئ والمطارات التي ليست مستغلة بالقدر المطلوب من التحدي الذي يفرضه التخلف .
لذلك يستند مالك بن نبي إلى هذه السلبيات بإحداث كومنويلث إسلامي، وقد تحقق سياسيا في شكل منظمة المؤتمر الإسلامي، واقتصاديا في شكل منظمة الأوبيب، والثقافة والتربية، كما تحققت نظريته فلاحيا في شكل السد الأخضر عندنا، كحاجز ضد هجوم التصحر على الخصوبة السهوبية.

من هنا أمكن بواقع النظرة الحضارية لمالك بن نبي تطبيقها على صعيد الواقع الشامل، بشرط واحد وهو وعي أبعادها وأهدافها.. وفي هذا الوعي تكمن كل ألغاز الإشكالية الحضارية التي أبدعها مالك بن نبي رحمه الله.


ـــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية، منشورات كلية الدعوة الإسلامية طرابلس 1987ص 17.
(2) مالك بن نبي: آفاق جزائرية ص 46-47، وأيضا د ـأسعد السحمراني. مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا ص 144.
(3) مالك بن نبي الآفاق جزائرية ص 16.
(4).مالك بن نبي: آفاق جزائرية ص 46-47 وانظر أيضا شريط: مشكلة عند مالك ابن نبي رسالة ماجستير، معهد الفلسفة، 1989، ص 138
(5) مالك بن نبي: فكرة الإفريقية الآسيوية: دار الفكر ـ دمشق 1981ص 123.
(6) مالك بن نبي: المسلم في عالم الاقتصادي، دمشق، دار الفكر 1979 ص 63.
(7) مالك بن نبي: تأملات، دمشق 1987، ص 199.
(8) المصدر السابق: ص 199.
(9) مالك بن نبي، تأملات. دمشق. دار الفكر 1987.
(10) محمد الزرقاني، مختصر المقاصد الحسنة ح 184، تحقيق محمد الصباغ، الرياض 1981 وقد ورد الحديث عند الإما مالك في الموطأ (بلفظ بعثت لأتمم حسن الأخلاق) ح رقم 1634وعند أحمد بلفظ (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).
(11) محمد ناصر الدين الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة، مجلد 2 حديث رقم 958.
(12) مالك بن نبي: تأملات ص 155.
(13) المصدر السابق ص 156.
(14) مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا ص 194.
(15) مالك بن نبي: شروط النهضة ص 32.
(16) المصدر السابق ص 194.
(17) مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا ص 183.
(18) مالك بن نبي مشكلة الثقافة ص 68.
(19) المصدر السابق ص 68.

المصدر: موقع المفكر مالك بن نبي




المشاهدات: 2421

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية