كتاب "البراديم كولن"... على طاولة البحث والحوار

إرسال إلى صديق طباعة PDF

في إطار الحلقات الفكرية* التي ينظمها معهد المناهج تحت عنوان: "الفهم، الوعي والعمل" كانت حلقة هذه المرة حول قراءة في كتاب: "البرادايم كولن، فتح الله كولن ومشروع الخدمة، على ضوء نموذج الرشد" من تأليف د. محمد باباعمي، هذه الحلقات التي يسودها الحراك الفكري والعمل الجماعي بين عدد من الباحثين، رُسم لها هدف أساسي وهو توضيح الفهم، وترشيد الوعي ودفعه نحو الحركية والعمل، ومن أهم القضايا التي بُسطت على طاولة النقاش والحوار ما يلي:

أولا: بين معيار الوضعية ومعيار الاجتهاد
من المفاهيم السائدة في دراسة الظواهر الإنسانية معيار الوضعية في الحكم على الأشياء، إلا أن المفكر الإسلامي عبد الوهاب المسيري ينقد هذا المعيار (الذاتية والموضوعية)، ويقول في مقدمة كتابه: (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية):"يسهل على الباحث أن يطلق هاته الأحكام [أي الموضوعية] في دراسة ظاهرة طبيعية –هذا إن أمكن- أما في دراسة الظواهر الإنسانية فهذا يستحيل تماما، لماذا؟ لأننا حين نقول عن الحكم أنه موضوعي؛ يعني أن ثَمّة موضوعا مدروسا دون وجود ذات دارسة"...

وهذا غير ممكن طبعا، بمعنى أن الذات الدارسة لها أثرها في الرؤية، وفي طريقة النظر، وفي سير البحث، وفي اختيار الإشكالية.. لا نستطيع في نهاية المطاف أن نقول أن هذا الحكم موضوعي، لأننا نفترض كباحثين بأن حكمنا هو عين الواقع، وهذا مُجانب للصواب لأنه غير ممكن، فما نقوله في دراسة الظاهرة الإنسانية هو مجرد مقاربة لفهم الواقع.
فالمسيري يتحدث عن مفهوم التحيز ومعيار الاجتهاد، فيقدم بديلا عن المعيار الوضعي الذي يحكم إما بالأبيض أو الأسود، إما بالموضوعي أو الذاتي، على الأحكام العلمية التي تُطلق على الواقع، ويقترح معيارا بديلا، طريقة تحليل جديدة سماها: (معيار الاجتهاد)، عوض أن نقول: هذا الحكم موضوعي، نقول عنه أنه "أكثر تفسيرية"، أو "أقل تفسيرية".

ثانيا: الأسئلة المعرفية التي ينطلق منها كتاب "البراديم كولن"
طرح السؤال أو الإشكال هو مبرر الوجود، لولا الأسئلة التي طرحها د. محمد بابا عمي لما وُجد كتاب "البراديم كولن"، الأوْلى بنا ونحن نشتغل بالفكر أن نبحث عن الأسئلة، لا أن نشتغل فقط بالأجوبة، أما الأسئلة المحورية التي كان يبحثها المؤلف فأهمها:
1. لماذا مفارقة: تخلف المسلم، وتحضر الكافر؟
2. ما هو الخط الواصل بين الفكر والفعل في مشاريع الخدمة؟
3. كيف نتعامل مع النصوص في إنزالها على الواقع؟
4. كيف استطاع كولن أن ينقل فهمه الشمولي للدين إلى أبنائه وتلامذته؟
5.كيف كان كولن يولّد المفاهيم الخاصة به؟

ثالثا: فقه المرحلة، وفقه الوعاء الحضاري.. هل هو ضرورة؟

فقه المرحلة أمر ضروري، وهو ما كان عند النبي (صلى الله عليه وسلم)، إذا كنتُ باحثًا أو مربيًا ينبغي أن أفهم في أي مرحلة أنا؟ هل أنا في المرحلة المكية أو المدنية، قبل إعلان الإسلام أو بعده؟ هل أنا فيما قبل الحضارة أو في الحضارة، أو فيما بعد الحضارة؟

لذا فنحن بحاجة إلى فقه للمرحلة وفقه للوعاء الحضاري، لتكون أفعالنا متناغمة مع طبيعة المرحلة التي نعيشها، إذًا ليس المطلوب اليوم أن أنطلق في تطبيقات الحضارة، وإنما المطلوب مني إعداد صانع الحضارة، ففي أوان صناعة الحضارة لا بد من صناعة المصنّع، فهل المهم في الإنتاج: أن أصنع الكأس؟ أم الآلة التي تصنع الكأس؟.. آلة الإنتاج أولا، ثم المنتَج، لأن الآلة إن توقفت فلن تكون لها القدرة غدا لتنتج كأسا، الدور الأهم في صناعة الحضارة هو صناعة مصنِّعها.

إذا كان المطلوب منك في مرحلتك أنتَ هو: صناعة الإنسان، جهادك في أن تصبر وتقف شامخا في جبل أحُد؛ الذي هو بالنسبة إليك ليس أحُد في الحجاز، وإنما هو أُحُد صناعة الإنسان.. حتى وإن كانت وراء النافذة طبول الانتخابات ستصفق وترعد، وتصرف نظرك عن مسؤوليتك الحضارية، إذا كانت طبيعة المرحلة تدفعك إلى صناديق الاقتراع، كن واثقا بأن المرحلة هي التي تدفعك إلى هذا وليس انهزامك وفقدانك للمعنى، فنزلت من الجبل وذهبت إلى مسؤولية أخرى ليست من طبيعة المرحلة الراهنة لك.

إذا كان الإنسان يقيس عمُر الحضارة بعمره فسيقلق في الطريق، إذا كان سلم الحضارة فيه 33 سنة وأنتَ عمُرك في الحركية والعمل –إذا أطال الله في العمر- لن يصل أكثر من 60 أو 70 سنة من الحركية المتواصلة، عليك أن تعتبر نفسك من الآن لبنة.. جزءا.. مرحلة.. دََفعَة في سُلم الحضارة، ولا تقس عمر الحضارة بعمرك وإلا ستقع في استعجال النتائج والثمار قبل أوانها.

رابعا: نموذج غار حراء... والقلق المعرفي:
لم يكن الرسول منصرفا إلى غار حراء دون العمل، ولا إلى العمل دون الغار، هذا الأخير -الذي هو رمز للتأمل وطول النظر والتفكير- أخذتْ تمثلاتُه صورًا مختلفة في حياته (صلى الله عليه وسلم).. كانت تمثلاته في ما قبل الدعوة هو غار حراء الكهف، ولكن بعد نزول الوحي كان الغار في دار الأرقم؛ الذي يمثل مرحلة بناء الرجال، فوظيفة الغار تغيرت لكن الغار بقي.
لذا نحن في 2012، مشكلتنا أننا حين نطرح مواضيع الحضارة نطرحها خارج دائرة الزمن، والمعطيات التي نعيشها، وهذا ربما لأننا كنخبة نخاطب الناس بما لا يفهمون ونعقِّد المصطلحات، حيث أننا –أحيانا- لا نفهم الخطاب الذي نقوله نحن، فكيف يفهمه غيرنا؟ لكن لما ننزل للواقع –حسب نموذج النهر- نسبح ساعة أو ساعتين في النهر ثم نعود إلى التأمل، ثم نسبح في النهر ثانية وهكذا... لما نستمع لآلام الناس وهمومهم لا نقابلهم بآراء صمّاء مختزلة، ولا نقابلهم بانجرافنا معهم في الأخطاء، مع أنه يُنتظر منا أن نكون نحن الحل والترياق، فحينما نفقه المرحلة التي نحن فيها نستطيع تقديم الإضافة.
حين نقرأ كتابا فكريا ليس الهدف منه فقط أن نقرأ للكاتب، بل أن نقرأ في عقل الكاتب، لا نتوقف في لفظ الكاتب، بل نلج إلى القلق المعرفي الذي حرّكه ليكتب، ويتمثل القلق المعرفي الذي لازم د. محمد بابا عمي خلال تأليفه لكتابه (البرادايم كولن) في الإشكالات الكبرى التالية:
1-المفارقة الواقعة في عالمنا الإسلامي بين الفكر والفعل
2–تحقيق الذاتية في اتباع الأسباب والتناغم مع السنن الكونية
3–البحث عن سداد المسلك (نقطة البداية)

خامسا: كتاب البراديم.. مراكمة للمعلومات أم دراسة للمعايير؟:

كتاب البراديم كولن: دراسة معرفية تشتغل بالمعايير والأفكار والنماذج، ولا تشتغل بتراكم المعلومات وترتيبها التاريخي؛ مثلما هو الشأن في دراسات أخرى للحركات والجماعات، فلا نجد في الكتاب اهتمام بتاريخية كولن وحياته، وإنما نجد مسار تطور الأفكار، والنماذج المعرفية التي تؤطر مشروع الخدمة، وهكذا الدراسات الفكرية الجادة تشتغل بالمعايير المحركة للظاهرة محل الدراسة.
النماذج المعرفية هي التي تولِّد لنا مثلا: المدرسة في مشروع كولن، المسجد، المستشفى... حين تطالع "البراديم كولن" لا تجد الوصف الدقيق للمدرسة، إنما تجد بعض المعلومات التي تدفعك إلى فهم هذا النموذج في عمقه، فمثلا لكي تفهم "نموذج النمل" يعطيك قصة، لتفهم "نموذج المجانين" يعطيك قصة أخرى، فأنت لا تتعرف على القصة في  مشروع الخدمة أو على حادثة تاريخية، وإنما تفهم نموذجا معرفيا من خلال تلك القصة.
عندما نقرأ "البراديم كولن" نجد ذهن الدكتور مركزا أكثر على مفارقة الفكر والفعل، ربما هذا لسببين: الأول / لأن الإشكال أساسي وجوهري، السبب الثاني / لأن الإضافة المباشرة التي تسلب الأنظار في فكر "كولن" هي هاته، أنه استطاع أن يردم الهوة بين الفكر والفعل، فنجد الفكر متمثلا في مستشفى "سما" بذلك التألق، وفي نموذج المدرسة عنده، لما ننزل إلى بيوت الطلبة نجدها تمثلا لذلك الفكر الموجود في كتبه كذلك... وهذا في الحقيقة؛ إفلاسنا اليوم وكارثتنا التي نعيشها ونتألم من أجلها.

سادسا: نموذج الرشد.. ومعالمه الأساسية:

الأسئلة المعرفية التي انطلقنا منها تعبر عن نموذج معرفي سماه الدكتور بابا عمي "نموذج الرشد"، ونموذج الرشد هو رحلة قلق معرفي حضاري، رحلة مأزوم ومهموم حضاريا ... إيمانيا وفكريا، بحثا عن ترياق للحل..

معْلَمه الأول: حركية الفكر والفعل:
نموذج الرشد يرى بأن الحركية بين الفكر والفعل هي لبنة وخطوة أساسية في الطريق، وهو ما تحدثنا عنه –سابقا- في نموذج النهر: كيف نجمع بين البقاء على الضفة للنظر والتأمل وبين السباحة في نهر الحياة والواقع، أو في نموذج غار حراء.

معْلَمه الثاني: الذاتية في اتباع الأسباب:
الذاتية في اتباع الأسباب، هو ما ذكره د. بابا عمي عن الأستاذ فتح الله كولن في حديثه: "كل حركة نماذجها من ذاتها" أي: هي التي تولّد نماذجها؛ بالنظر إلى المبادئ والمقاصد والغايات التي تنطلق منها؛ وتحاول أن تسعى لتولّد تطبيقات متناغمة مع ذلك الفهم، بمعنى: كيف أكون فعّالا في الواقع دون أنسلخ عن مقاصدي الأخلاقية التي انطلقت منها؟ وكيف أكون متناغما مع أخلاقي دون أن أنزويَ عن الخَلْق وعن بناء الحضارة؟
إذا كانت حركتي من داخلي وإيماني، فإنّ حركتي ودبيبي من أجل بناء الحضارة سيدوم، إذا كانت حركتي من أجل رغيف أو وظيف، فإنه بتوقفهما ستتوقف حركتي نحو الحضارة، لهذا لا يمكن أن تُبنى الحضارة إلا بحفنة من المجانين –كما ذكر ذلك كولن في كتاباته-... لماذا؟ أن تصرف جهدك في سبب قد لا يكون مربحا من الناحية المادية، ونتائجه ليست قريبة، وأنت تعرف بأن هذا هو طريق الحضارة، فذاك في ظاهر الأمر هو الجنون بعينه، لكنه.. الرهان الحقيقي.
الإنسان المربي أو أي إنسان صاحب همٍّ حضاري، حين يتنازل عن مسؤوليته الحضارية لأن هناك غنائم في سفح الجبل، أو ضجيج في النافذة، أو بهرجة وادّعاء، فقَدْ فَقَدَ المعنى والوجهة.

المعْلَم الثالث: سداد المسلك:
المعلم الثالث من معالم الرشد هو "حسن التصرف في علة ما أنت بصدده"، أو سداد المسلك –كما ذكر د. بابا عمي في البراديم كولن-.
إذا كنتُ أعيش في مرحلة فهناك أولويات، إذا كنتُ ضمن وعاء حضاري فهناك ظروف وانتكاسات، ينبغي حين أقدم القيمة المضافة لهذا الوعاء الذي أشتغل فيه، أو المرحلة التي أعيشها؛ ينبغي أن أكون فقيها بهذا الوعاء وبهذا الواقع، ليكون فعلي متناغما مع طبيعة المرحلة؛ حتى وإن رفض كل الناس الخيار أو المسلك الذي اتخذته.
سداد المسلك يتحقق بالاعتصام بحبل الله تعالى، فبقدر ما يقرأ المرء من كتب ويطّلع على كتابات المفكرين.. إذا لم يصحب ذلك تمسك بالكتاب (القرآن) وتواصل معه ومرابطة به، فسيكون السداد بعيد المنال، فكتاب الله تعالى هو الذي يبني فينا الرشد والحكمة وسداد المسلك،... إضافة إلى سنة المصطفى (عليه الصلاة والسلام).


في ختام الحوار والحراك الفكري الذي ساد الحلقة البحثية تمّ التذكير بنقطة هامة؛ تعتبر جماع القول من خلال ما سبق، وهو الحرص على الرؤية الشمولية التكاملية: "فحين نتحدث عن العقل والنظر -مع أنفسنا أو مع غيرنا- علينا أن نستذكر الإيمان والتزكية، أما إذا كان هذا الهم الحضاري، لا يرفقه استنزال الرحمة الربانية والقرب من الله، وإذا كان القرب لا يصحبه التفكير السليم، فإن هذا اختزال لسنا في حاجة إليه.

وأحسن لحظات التأمل هي لحظات التهجد، الذي يشمل تلاوة القرآن والصلاة، والنظر في حال الأمة، والبكاء لرب العالمين: "أمتي.. أمتي.."، كما كان رسول الله يفعل، ويشمل أيضا مطالعة كتاب في هذا الهم الذي نحمله، كل هذا التأمل هو عقل وتزكية.. وجدان وتفكير، لا يمكن أن نفصل بينهما.

فحين نتحدث عن أسباب الحضارة والعمران لا نتحدث عنها منفصلة عن أسباب الإيمان والوجدان والعلاقة بالله عز وجل، فهذا التكامل هو المطلوب اليوم في رؤيتنا الكونية، ولن نقيم الإسلام بعمران مفرغ من الروح، ولا بوجدان عاجز عن العمل، فالجمع بينهما.. بين العقل والقلب، بين الإيمان والعمل، بين الفكر والفعل، بين الدين والدنيا.. هو تمام الرشد والحضارة والتمكين".


* كانت هذه الحلقة الثانية من الحلقات الفكرية: "الفهم، الوعي، العمل"، بإشراف الأستاذ: طه بن إبراهيم كوزي، في معهد المناهج، بتاريخ: السبت 28 أفريل 2012.

المشاهدات: 2945

التعليقات (2)

RSS خاصية التعليقات
شكرا على الموضوع
0
شكرا وجزيل الشكر على المعلومات القيمة بارك الله فيك
Nansi Ahmed , مايو 20, 2012 | url
نوركم الله
0
لقد كنت مشتت الفكر منذ ايام وبعد قراءة هذا الموضوع احسست انني رجعت الى الطريق الذي كنت ابحث عنه . شكرا" لكم ونوركم الله بنوره الطاهر
صديقي , مايو 31, 2012

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
 
لافتة إعلانية