مفهوم الإخلاص

إرسال إلى صديق طباعة PDF

قال الله تبارك وتعالى :  وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدّين حنفاء ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة وذلك دين القيّمة  وقال في الحديث القدسي : " الإخلاص سرّ من سرّي استودعنه قلب من أحببت من عبادي" يفهم ممّا جاء في الأثرين أنّ الإخلاص سرّ كبير من أسرار التّوفيق في النّشاط، وأنّه ركن مهمّ في العمل، وأنّه لا يتأتّى لكلّ شخص، ولا يستطيعه كلّ فرد. فموقعه القلب، لا يعرفه غير صاحبه، ومانحه هو الله، ولا يوفّق إليه إلاّ من هداه الله إليه.
الأعمال لا تؤدّى متقنة إلاّ به، الأمور لا تسير حسنة من دونه، الحياة لا تستوي إلاّ بتوافره في سلوك النّاس.وهو روح العبادة، وسرّ النّجاح في الدّارين. فهو كما قيل " يخالط القليل من العمل فينمّيه "، قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم :" من فارق الدّنيا على الإخلاص لله وحده، لا شريك له، وأقام الصّلاة وآتى الزّكاة، فارقها والله عنه راض ". وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنّه قال - حين بعثه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن - يا رسول الله أوصني قال : أخلص دينك يكفك العمل القليل" وقال عليه السّلام أيضا: " طوبى للمخلصين الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوالم يفتقدوا، أولئك هم مصابيح الهدى، تنجلي بهم كلّ فتنة ظلماء."

هذه الأحاديث تعرّف حقيقة الإخلاص، وتبيّن أثره في الحياة العامّة، وتبرز عاقبته في الدّارين. فالإنسان بالعمل القليل الذي يشمله الإخلاص، يحقّق نجاحا كبيرا؛ لأنّ فيه البركة والنّماء. كما تُظهِر أنّ دعامة العمل العظيم والخطير هو الإخلاص. فإنّ معاذا الذي ذهب إلى اليمن ليقوم بالعمل الدّعوي التّفقيهي في بداية الدّعوة الإسلامية، يطلب من الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، سندا يسنده في عمله الكبير، وركيزةً يعتمد عليها في مهمّته الخطيرة، ونورا يستضيء به في مهامه هذه الرّحلة الشّاقة...لا يسمع من الرّسول صلّى الله عليه وسلّم سوى كلمة واحدة، ونصيحة مختصرة، مؤدّاها أن يتحلّى بالإخلاص والصّدق في عمله، فإنّ الله يبارك خطواته.وتعلن هذه الأحاديث أنّ المخلصين هم عمدة المجتمع، وهداة الأمّة، وكاشفو الغمّة، وسراج الحياة ... بهم تضاء جوانب الحياة، وتستقيم الأمور، وتزاح الغشاوات، وتنجز الأعمال...
إنّ الإخلاص هو إحسان العمل في السّر والعلن على السّواء؛ فقط لأنّه واجب يجب القيام له، ولأنّ الضّمير يدعو إلى ذلك، ولأنّ الله تبارك وتعالى أمر به. إنّ الإخلاص فضيلة جليلة القدر، عظيمة الأهميّة، تدفع إلى محبّة الله ورسوله، وتضمن رضا الله، وتكسب الفرد الثّقة بنفسه وثقة النّاس به، وتعين على إصلاح المجتمع، وبنائه على أسس قويّة، وعمد متينة. وأصحاب هذه الخلّة يؤدّون ما عليهم بتفانٍ لا حدود له، وبتضحية لا نهاية لها.
لأهميّة الإخلاص في حياة الفرد فإنّ الله عزّ وجلّ ذكر لنا من صفات الأنبياء والمرسلين الإخلاص؛ ليقول لنا: بهذا تستقيم الحياة، وهكذا كان الصّفوة من خلقي، وقد نجحوا في رسالاتهم بفضل الإخلاص، فبهم اقتدوا. قال الله تعالى مخاطبا رسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم : إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ فاعبد الله مخلصا له الدّين . وقال عن موسى عليه السّلام:  واذكر في الكتاب موسى إنّه كان مخلَصا وكان رسولا نبيّا . وقال عن يوسف عليه السّلام : إنّه كان من عبادنا المخلصين  فالله تبارك وتعالى أوصى أنبياءه بالإخلاص؛ لأنّ مهمّاتهم صعبة، ولأنّ عبادة الله في حاجة إلى هذه الصّفة. ومَدَحَهُم لأنّهم امتثلوا أوامره، ونفّذوا وصيّته، ولأنّهم نجحوا في القيام بأعمالهم ومهامّهم. فأراد أن يطلعنا على الجانب العملي في هذا المحال، لنسير على هديه.
كما أنّ في سيرة الصّحابة ما يكشف عن هذه الحقيقة، ويفصح عن هذه الخلّة. قال أحد الصّحابة خرجت مع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، نريد مكّة، فنزلنا ليلا في بعض الطّريق طلبا للرّاحة، فانحدر علينا راعٍ من الجبل. فقال له عمر: بعني شاة، فقال الرّاعي: إنّها لسيّدنا وأنا مملوك، فقال له عمر – ممتحنا له – قل لسيّدك أكلها الذّئب، فقال الرّاعي: وأين الله؟! فبكى عمر، وفي الصّباح ذهب فاشترى هذا الغلام وأعتقه. وقال له: لقد أعتقك الصّدق في الدّنيا وأرجو أن يعتقك في الآخرة.
إنّ الصّدق والإخلاص يتجلّيان بكلّ وضوح في سلوك الرّاعي البسيط، الذي عمر الإيمان قلبه، فلا المال أغراه بخيانة سيّده، ولا البعد عن مولاه دفع به إلى السّطو على ما ليس له، ولا الحيلة خدعته ليأخذ مال غيره.هذا ما منحه حريّته وأعتقه من عبوديّته، هذا هو سرّ الإخلاص، وهذه هي عاقبته الحسنة.
بجب أن يفهم المسلم أنّ الإخلاص مطلوب في كلّ عمل مهما يكن بسيطا أو حقيرا، ومع كلّ النّاس مهما يكن مستواهم، وفي كلّ حالة. الإخلاص في العبادة، في المهنة، في المعاملة، في تقديم المعروف، في النّصيجة، في التّربية، في التّوجيه، في القيادة...نسأل الله عزّ وجلّ أن يرزقنا الإخلاص في السّرّ والعلن، وفي حال الرّضا والغضب، وفي وقت الشدّة والرّخاء. والسّلام عليكم ورحمة الله.


نزوى يوم الأحد : 7 من ربيع الثّاني 1424هـ
8 من يونيو 2003م

المشاهدات: 6069

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy